إنجيل جيبسون: إعادة بناء المسيح الذي لم يرغب الغرب في رؤيته

عادةً ما تسلك صناعة السينما في هوليوود مسارات آمنة، مُكررةً الصيغ المجربة والمضمونة لضمان عائد على الاستثمار. إلا أن ميل غيبسون قرر كسر هذه القواعد. فبعد عقود من الصمت منذ التأثير الهائل لفيلم “آلام المسيح”، عاد المخرج الأسترالي من الظل بمشروع لا يسعى فقط إلى سرد قصة، بل إلى هدم بنية لاهوتية بُنيت على مر القرون.
انتشر الخبر كالنار في الهشيم في الأوساط الأكاديمية والدينية: جيبسون بصدد الانتهاء من عمل يعد بالكشف عن وجه ليسوع مستمد من أقدم مصادر المسيحية وأكثرها غموضاً، وتحديداً الكتاب المقدس الأرثوذكسي الإثيوبي.
تقدم هذه المخطوطة، التي تضم كتبًا اختارت الكنيسة الكاثوليكية والطوائف البروتستانتية حذفها منذ آلاف السنين، منظورًا مختلفًا جذريًا لطبيعة الإله. فبينما ركزت التقاليد الغربية على التضحية البشرية والفداء الأخلاقي، تستكشف النصوص التي يستخدمها جيبسون كأساس لفيلمه الجديد بُعدًا كونيًا، يكاد يكون مرعبًا، للمسيح.
إننا نواجه سردًا تتلاشى فيه الحدود بين السماء والأرض والعالم السفلي، مما يقدم لنا يسوع المسيح الذي لا يسير بين البشر فحسب، بل يواجه أيضًا كيانات حاولت الحداثة تصنيفها على أنها مجرد أساطير.
الهبوط إلى الهاوية والملائكة الساقطة
يركز جوهر هذا العمل، الذي يعتبره الكثيرون بالفعل العمل الأبرز لجيبسون، على ما يحدث خلال الأيام الثلاثة التي تلت موت يسوع. فبدلاً من أن تكون فترة راحة، يصوّر المخرج هبوطًا فعليًا إلى الجحيم. ووفقًا لمصادر مطلعة على الإنتاج، يصوّر الفيلم المسيح محاربًا يخوض غمار أعمق أبعاد الظلام لمواجهة المراقبين، أولئك الملائكة الساقطين المذكورين في سفر أخنوخ. هذا الاختيار ليس من قبيل الصدفة.
إن المدونة الإثيوبية هي الوحيدة التي تحفظ هذا النص بكامله، وتفصل التمرد السماوي وتأثير هذه الكائنات على التاريخ البشري.

كان ميل غيبسون حازماً في الدفاع عن نهجه الفني والروحي. وفي حوار خاص أجراه مؤخراً مع مجموعة من اللاهوتيين في روما، عبّر المخرج عن رؤيته بشأن ضرورة هذا التغيير الجمالي. ووفقاً لغيبسون، فقد روّض العالم شخصية يسوع، وحوّلها إلى صورة مألوفة خالية من أي قوة حقيقية. ويؤكد أن هدفه هو استعادة الرهبة والخشوع اللذين كانا يُثيرهما حضور ابن الله في الماضي.
تتردد كلماته بقناعة تقترب من النبوءة عندما يصرح بأن الجمهور غير مستعد لوحشية الحقيقة الروحية التي تحتويها هذه النصوص القديمة.
استثمار غير مسبوق في سبيل حقيقة محظورة
تطلّب الجهد التقني اللازم لتجسيد هذه الرؤى على الشاشة ميزانية فاقت كل التوقعات السابقة لفيلم درامي ديني. لم يكتفِ جيبسون بالمؤثرات البصرية التقليدية، بل سعى إلى إعادة خلق أجواء تبدو ملموسة وعضوية ومثيرة للقلق. ويُبشّر استخدام الضوء والظل في مشاهد العالم السفلي بإعادة تعريف أيقونات الحياة الآخرة.
كان إنتاج الفيلم سراً مكشوفاً في الاستوديوهات الأوروبية، حيث يشاع أن مستوى التفاصيل في تصوير التسلسل الهرمي الملائكي والشيطاني سيترك بصمة لا تمحى في تاريخ السينما.
وقع الاختيار على يوم الجمعة العظيمة عام ٢٠٢٧ موعدًا للعرض العالمي الأول للفيلم. يضفي هذا القرار على العرض رمزية واضحة، جاعلاً من الفيلم تجربة روحية بحد ذاتها. وقد تم استشارة مؤرخين وخبراء في اللغات القديمة على نطاق واسع لضمان احتفاظ الحوارات بأصالتها الخام التي سبق أن أظهرها جيبسون باستخدام الآرامية واللاتينية في أعماله السابقة. إلا أن التحدي هنا أكبر، إذ يسعى الفيلم إلى ترجمة مفاهيم ميتافيزيقية نادرة الوجود في الفكر المعاصر.
الأثر على اللاهوت الحديث
يراقب المجتمع الأكاديمي هذا العمل بمزيج من الانبهار والحذر. إن الكشف عن يسوع الذي يتفاعل مع كونٍ تسكنه كائناتٌ من عوالم أخرى، والذي يمتلك سلطةً مطلقةً على قوى الفوضى، يُشكك في الروايات التبسيطية للعديد من المؤسسات الدينية المعاصرة. ويرى بعض الباحثين أن الفيلم قد يُثير اهتمامًا متجددًا بالنصوص الأبوكريفية والجذور الشرقية للمسيحية، والتي تجاهلتها الهيمنة الرومانية لأكثر من ألف وخمسمائة عام.
وصف جيم كافيزيل، الذي يعود لتجسيد دور البطولة، تجربة التصوير بأنها تحول شخصي يتجاوز التمثيل. وصرح الممثل بأن هذه النسخة من القصة واسعة وعميقة لدرجة تجعل أي تفسير سابق يبدو مجرد رسم سطحي. ويؤكد كافيزيل أن جيبسون قد نجح في التقاط شيء طمسه الزمن والرقابة الكنسية. وتشير تصريحاته إلى أن الفيلم ليس مجرد إعادة سرد لأحداث الماضي، بل هو أيضاً تحذير من حقيقة وجود قوى خفية تعمل في الحاضر.
التحدي الذي يواجه المشاهد العالمي
بدأت الظاهرة المحيطة بهذا العمل الفني بالانتشار على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يجد الاهتمام بالمحتوى المحظور والحقائق الخفية أرضًا خصبة. إن فكرة وجود سجل تاريخي وروحي ليسوع، مُخفى عمدًا عن العامة، تُشكل محركًا قويًا للفضول الجماهيري. ويبدو أن ميل غيبسون يُدرك هذه القوة، ويستخدمها لتمهيد الطريق لما يعتبره أهم إسهاماته في الفن.
يُصرّ المخرج على أن فيلمه يُمثّل استجابةً لفراغ وجودي في المجتمع الحديث. فهو يعتقد أن البشرية قد فقدت صلتها بما هو متعالٍ، وأن استعادة الشعور بالدهشة لا تتحقق إلا من خلال مواجهة بصرية بين المقدس والمدنس. والنتيجة فيلمٌ يُشبه قطعةً أثريةً تمّ استخراجها من حفرياتٍ أثريةٍ في أعماق النفس البشرية.
يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كان هيكل المسيحية المؤسسية سيتمكن من الصمود أمام تأثير رؤية تعيد إلى شخصيتها المركزية طابع قوة الطبيعة الإلهية، متحررة من التفسيرات السياسية والاجتماعية التي فُرضت عليها.
يبدو أن هذا المشروع سيصبح الحدث الثقافي الأكثر إثارةً للجدل وتأثيرًا في هذا العقد. ومع ترقب العالم لعام ٢٠٢٧، ينتظر بفارغ الصبر ليرى ما إذا كان ميل غيبسون سينجح مجددًا في تغيير مسار النقاش حول الإيمان. إن وعد يسوع المُعلن بكل تعقيداته وجلاله الكوني دعوةٌ يصعب على الكثيرين رفضها، حتى أولئك الذين يخشون ما قد يجدونه في ظلام السينما.